وقفة مع كتاب " ثمّ اهتديت " للتيجاني السماوي

إن الأستاذ التيجاني السماوي مرَّ بتجربة هداية فريدة من نوعها لها ظروفها الخاصة، قد تجلت فيها القدرة الالهية على هداية من تشاء من البشر، فمن ركوب السفينة التي يلتقي فيها بأحد المهتدين والحوار معه، وعبور البحر إلى حيث يُعطى تأشيرة الدخول بسرعة والتي لا يحصل عليها بسهولة عادة، إلى الديار التي احتضت أئمة الهدى واللقاء بالعلماء الذين يسيرون على طريقهم و... و...
ومن ثم الهداية إلى صراط أهل البيت(عليهم السلام) المستقيم، والركوب في سفينة النجاة والاهتداء بمصابيح هدايتهم، واعلان التشيع لهم في ذكرى يوم الغدير، ذلك اليوم الذي نصب فيه أولهم علناً ورسماً وأمام الجميع من قبل رسول الله(صلى الله عليه وآله)ولياً للمسلمين، ليهديهم إلى سبيل الرشاد والحق والرأفة والرحمة، ولا يكرههم في الدين بالقوة والاجبار كما فعل ويفعل الآخرون من أئمة الكفر والضلال.
والهداية تكون من الله فهو الهادي والمضل لمن يشاء، ولكن هذا لا يعني الجبر من الله فالله لا يهدي الكافرين والظالمين والفاسقين كما أنّه يهدي المجاهدين ومن يتبع رضوانه سبحانه وتعالى، وهذا بعض ما عرفنا الله به وهو ليس كل ما في الأمر، لأن الهداية من مختصات الله سبحانه وتعالى فنحن لا نعرف من قوانينها وحكمته فيها إلاّ اليسير اليسير، فلم يشأ الله سبحانه أن يهدي كل الناس، كما أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله) لا يهدي من أحب من الناس بل الهداية بيد الله وحده.
ومن طبيعة الهداية أنّها تحتاج إلى نفوس مستعدة وأرواح متشوقة، وإلاّ فإن الإنسان يستطيع أن يرفضها لو اتته فيعاند ويكابر كما فعل قوم ثمود الذين استحبوا العمى على الهدى كما عبّر القرآن الكريم(1).
والهداية من الله سبحانه تكون على أيدي أئمة الحقّ الذين يهدون بأمره، وهؤلاء ليسوا أشخاص عاديين بل اصطفتهم الارادة الالهية وطهّرتهم من الأرجاس فجعلتهم أئمة يستحقون الاتباع.
والهداية تكون إلى الصراط المستقيم، وعلى المهتدي أن يسير على الطريق ولا ينحرف عنه يمنة ولا يسرة، وعليه فالهداية، ليست هي الفوز والفلاح الأبدي، بل هي أول الطريق إلى الرشاد والتكامل الذي يوصل إلى الهدف المرجو من الفلاح والفوز العظيم إذا واصله الانسان، وهو طريق صعب مستصعب يوصف بأنه أحدّ من السيف وأرق من الشعرة، والسائرون عليه قليلون غرباء في معظم الأحيان يواصلون الطريق ولا يهمهم بعد أن اهتدوا ان لا يهتدي الآخرون بظلم أنفسهم لأنفسهم.
وكم من اُناس هم في الظاهر مع أهل النجاة وعند الامتحان الالهي تحق عليهم الضلالة فيرتدون على أعقابهم، وكم من اُناس هم من أهل الباطل يهديهم الله إلى الصراط المستقيم ولله في خلقه شؤون.

الشيعة وفهمهم لمسألة التقليد:
يتحدّث الاستاذ التيجاني عن مشاهداته في النجف الأشرف ولقاءاته في زيارته الاولى لها مع العلماء والمثقفين والطلبة وهو لا يزال سنياً فيقول:
"
سألني أحدهم ـ أحد الطلبة الشباب في الحوزة العلمية ـ ما هو المذهب المتبع في تونس؟
قلت: المذهب المالكي...
قال: ألا تعرفون المذهب الجعفري؟
فقلت: خير إن شاء الله، ما هذا الاسم الجديد؟ لا، نحن لا نعرف غير المذاهب الأربعة وما عداها فليس من الاسلام في شيء.
وابتسم قائلا: عفواً، إنّ المذهب الجعفري هو محض الإسلام، ألم تعرف بأنّ الإمام أبا حنيفة تتلمذ على يد الإمام جعفر الصادق؟ وفي ذلك يقول أبو حنيفة: "لولا السنتان لهلك النعمان".
سكتُّ ولم أبدِ جواباً، فقد أدخل عليّ اسماً جديداً ما سمعت به قبل ذلك اليوم، ولكني حمدت الله أنه ـ أي إمامهم جعفر الصادق ـ لم يكن استاذاً للإمام مالك، وقلت: نحن مالكية ولسنا أحنافاً.
فقال: إنّ المذاهب الأربعة أخذوا عن بعضهم البعض، فأحمد بن حنبل أخذ عن الشافعي والشافعي أخذ عن مالك وأخذ مالك عن أبي حنيفة وأبو حنيفة أخذ عن جعفر الصادق، وعلى هذا فكلهم تلاميذ لجعفر بن محمد، وهو أول من فتح جامعة إسلامية في مسجد جدّه رسول الله، وقد تتلمذ على يديه أكثر من أربعة آلاف محدّث وفقيه".
ثمّ أضاف: "كيف تقلّد ميّت بينك وبينه أربعة عشر قرناً، فإذا أردت أن تسأله الآن عن مسألة مستحدثة فهل يجيبك؟
فكرت قليلا وقلت: وأنت جعفرك مات أيضاً منذ أربعة عشر قرناً فمن تقلد؟
أجاب بسرعة: نحن نقلّد السيد الخوئي فهو إمامنا.
ولم أفهم أكان الخوئي أعلم أم جعفر الصادق...".
ثمّ يتحدث الاستاذ التيجاني عن لقائه بأحد المراجع الكبار فيقول:
"
رجعنا بصحبة السيد الذي أولاني من الرعاية والعناية وحسن الضيافة ما أنساني أهلي وعشيرتي، وأحسست بأني لو بقيت معه شهراً واحداً لتشيعت لحسن أخلاقه وتواضعه وكرم معاملته، فلم أنظر إليه إلاّ وابتسم في وجهي وابتدرني بالكلام، وسألني هل ينقصني شيء، فكنت لا اغادره طيلة الأيام الأربعة إلاّ للنّوم، رغم كثرة زوّاره والعلماء الوافدين عليه من كل الأقطار، فقد رأيت السعوديين هناك ولم أكن أتصور بأنّ في الحجاز شيعة، وكذلك علماء من البحرين ومن قطر ومن الامارات ومن لبنان وسوريا وإيران وافغانستان ومن تركيا ومن افريقيا السوداء، وكان السيد يتكلم معهم ويقضي حوائجهم ولا يخرجون من عنده إلاّ وهم فرحون مسرورون، ولا يفوتني أن أذكر هنا قضية حضرتها وأعجبت في كيفية فصلها، وأذكرها للتاريخ لما لها من أهميّة بالغة حتى يعرف المسلمون ماذا خسروا بتركهم حكم الله.
جاء إلى السيد أربعة رجال أظنّهم عراقيين عرفت ذلك من لهجتهم، كان أحدهم ورث مسكناً من جدّه الذي توفي منذ سنوات وباع ذلك المسكن إلى شخص ثان كان هو الآخر حاضراً، وبعد سنة من تاريخ البيع جاء أخوان، وأثبتا انهما وارثان شرعيان للميّت، وجلس أربعتهم أمام السيد وأخرج كل واحد منهم أوراقه وما عنده من حجج وبعدما قرأ السيد كل أوراقهم وتحدّث معهم لبضع دقائق حكم بينهم بالعدل، فاعطى الشاري حقه في التصرّف بالمسكن وطلب من البائع أن يدفع للأخوين نصيبهما من الثمن المقبوض، وقام الجميع يقبلون يده، ويتعانقون، ودهشت لهذا ولم أصدق وسألت ـ صاحبي العراقي ـ أبا شبّر، هل انتهت القضية؟ قال: (خلاص كلّ أخذ حقّه)، سبحان الله! بهذه السهولة، وبهذا الوقت الوجيز، بضع دقائق كافية لحسم النزاع؟! إن مثل هذه القضية في بلادنا تستغرق عشر سنوات على أقل تقدير ويموت بعضهم، ويواصل أولاده بعده تتبع القضية ويصرفون لرسوم المحكمة والمحامين ما يكلفهم في أغلب الأحيان ثمن المسكن نفسه، ومن المحكمة الابتدائية إلى محكمة الاستئناف ثم الى التعقيب وفي النهاية يكون الجميع غير راضين بعدما يكونوا قد انهكوا بالتعب والمصاريف والرشوة، والعداوة والبغضاء بين عشائرهم وذويهم.
أجابني أبو شبّر: وعندنا أيضاً نفس الشيء أو أكثر فقلت: كيف؟ قال: إذا رفع الناس شكواهم إلى المحاكم الحكومية، فيكون مثل ما حكيت أما إذا كانوا يقلّدون المرجع الديني ويلتزمون بالأحكام الإسلامية، فلا يرفعون قضاياهم إلاّ إليه فيفصلها في بضع دقائق كما رأيت، ومن أحسن من الله حكماً لقوم يعقلون؟ والسيد لم يأخذ منهم فلساً واحداً، ولو ذهبوا إلى المحاكم الرسمية لتعرّت رؤوسهم.
ضحكت لهذا التعبير الذي هو سار عندنا أيضاً وقلت: سبحان الله! أنا لا زلت مكذباً ما رأيت، ولولا ما شاهدته بعينيّ ما كنت لاصدق أبداً، فقال أبو شبّر: لا تكذب يا أخي فهذه بسيطة بالنسبة إلى غيرها من القضايا التي هي أشدّ تعقيداً وفيها دماء ومع ذلك يحكم فيها المراجع ويفصلونها في سويعات.
إنها حادثة حركت في نفسي شعور الرّضا بأحكام الله سبحانه وتعالى، وفهمت معنى قوله تعالى في كتابه المجيد:(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلِئكَ هُمُ الْكَـفِرُونَ... وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلِئكَ هُمُ الظَّــلِمُونَ... وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلِئكَ هُمُ الْفَـسِقُونَ...)(المائدة: 44 ـ 47).
كما حركت في نفسي شعور النقمة والثورة على هؤلاء الظلمة الذين يبدّلون أحكام الله العادلة بأحكام وضعية بشرية جائرة، ولا يكفيهم كل ذلك بل ينتقدون بكل وقاحة وسخرية الأحكام الإلهية، ويقولون بأنها بربرية ووحشية لأنها تقيم الحدود فتقطع يد السارق، وترجم الزاني، وتقتل القاتل، فمن أين يا ترى جاءتنا هذه النظريات الغريبة عنّا وعن تراثنا لا شك أنها من الغرب ومن أعداء الإسلام الذين يدركون أن تطبيق أحكام الله يعني القضاء عليهم نهائياً، لأنهم سرّاق، خونه، زناة، مجرمون وقتلة، ولو طبقت أحكام الله عليهم لاسترحنا من هؤلاء جميعاً".
فلاحظ معي أخي القارىء أين كان الاستاذ التيجاني والى أين وصل، وكل ذلك بفضل الهداية الالهية التي جرت معه على يد العلماء العاملين المخلصين أتباع أئمة الهدى وبقية الله في أرضه الامام المهدي(عليه السلام).

الشيعة وزيارة القبور:
إن الباحث عن الحق لابدّ له من التأني في اصدار الأحكام حتى يسمع جوابات وأدلّة من يخالفه، وهذا ما كان يفعله الدكتور التيجاني الطالب للحقّ.
فيذكر التيجاني الحوار الذي دار بينه وبين أحد مراجع الشيعة آن ذاك، وكان في ضمن ما ذكره قوله:
"
قلت: إن علماء السعودية يقولون: ان التمسح بالقبور ودعوة الصالحين والتبرّك بهم، شرك بالله، فما هو رأيكم؟
أجاب السيد: إذا كان التمسح بالقبور ودعوة أصحابها بنيّة أنهم يضرون وينفعون فهذا شرك لا شكّ فيه، وإنّما المسلمون موحدون ويعلمون أنّ الله وحده هو الضارّ والنافع وإنّما يدعون الأولياء والأئمة(عليهم السلام) ليكونوا وسيلتهم إليه سبحانه وهذا ليس بشرك، والمسلمون سنة وشيعة متفقون على ذلك من زمن الرسول إلى هذا اليوم، عدا الوهابية وهم علماء السعودية الذين ذكرت والذين خالفوا اجماع المسلمين بمذهبهم الجديد الذي ظهر في هذا القرن، وقد فتنوا المسلمين بهذا الاعتقاد وكفّروهم وأباحوا دماءهم، فهم يضربون الشيوخ من حجاج بيت الله الحرام لمجرّد قول أحدهم: السلام عليك يا رسول الله، ولا يتركون أحداً يتمسّح بضريحه الطاهر، وقد كان لهم مع علمائنا مناظرات، ولكنهم أصروا على العناد واستكبروا استكباراً.
فإن السيد شرف الدين من علماء الشيعة لمّا حجّ بيت الله الحرام في زمن عبدالعزيز آل سعود، كان من جملة المدعوين لقصر الملك لتهنئته بعيد الأضحى كما جرت العادة هناك ولمّا وصل الدور إليه وصافح الملك قدّم إليه هدية وكانت مصحفاً ملفوفاً في جلد، فأخذه الملك وقبّله ووضعه على جبهته تعظيماً له وتشريفاً، فقال له السيد شرف الدين عندئذ: أيها الملك لماذا تقبل الجلد وتعظّمه وهو جلد ماعز؟ أجاب الملك: أنا قصدت القرآن الكريم الذي بداخله ولم أقصد تعظيم الجلد! فقال السيد شرف الدين عند ذلك: أحسنت أيها الملك، فكذلك نفعل عندما نقبّل شبّاك الحجرة النبوية أو بابها فنحن نعلم أنه حديد لا يضرّ ولا ينفع، ولكننا نقصد ما وراء الحديد وما وراء الأخشاب نحن نقصد بذلك تعظيم رسول الله(صلى الله عليه وآله)، كما قصدت أنت القرآن بتقبيلك جلد الماعز الذي يغلّفه.
فكبّر الحاضرون إعجاباً له وقالوا: صدقت، واضطر الملك الى السماح للحجاج ان يتبركوا بآثار الرسول حتى جاءالذي بعده فعاد إلى القرار الأول ـ فالقضية ليست خوفهم أن يشرك الناس بالله، بقدر ما هي قضية سياسية قامت على مخالفة المسلمين وقتلهِم لتدعيم ملكهم وسلطتهم على المسلمين والتاريخ أكبر شاهد على ما فعلوا في أمّة محمد(صلى الله عليه وآله)".

الصحابة عند الشيعة:
يقول الاستاذ التيجاني:
"
من أهم الأبحاث التي أعتبرها الحجر الاساسي في كل البحوث التي تقود إلى الحقيقة، هو البحث في حياة الصّحابة وشؤونهم وما فعلوه وما اعتقدوه. لأنهم عماد كل شيء. وعنهم أخذنا ديننا وبهم نستضيء في الظلمات لمعرفة أحكام الله، ولقد سبق لعلماء الإسلام ـ لقناعتهم بذلك ـ البحث عنهم وعن سيرتهم. فألّفوا في ذلك كتباً عديدة أمثال: (أسد الغابة في تمييز الصحابة)، و(الاصابة في معرفة الصحابة)، و(ميزان الاعتدال)، وغيرها من الكتب التي تناولت حياة الصحابة بالنّقد والتحليل ولكنّها من وجهة نظر أهل السنّة والجماعة.
وثمة إشكال يتلخص في أن العلماء الأوائل غالباً ما كانوا يكتبون ويؤرخون بالنحو الذي يوافق آراء الحكام من الأمويين والعباسيين الذين عرفوا بعدائهم لأهل البيت النبويّ، بل ولكل من يشايعهم ويتبع نهجهم، ولهذا فليس من الانصاف الاعتماد على أقوالهم دون أقوال غيرهم من علماء المسلمين الذين اضطهدتهم تلك الحكومات وشرّدتهم وقتلتهم لأنهم كانوا أتباع أهل البيت وكانوا مصدر تلك الثورات ضد السلطات الغاشمة والمنحرفة.
والمشكل الأساسي في كل ذلك هو الصحابة، فهم الذين اختلفوا في أن يكتب لهم رسول الله ذلك الكتاب الذي يعصمهم من الضلالة إلى قيام السّاعة واختلافهم هذا هو الذي حرم الأمّة الإسلامية من هذه الفضيلة ورماها في الضلالة حتى انقسمت وتفرّقت وتنازعت وفشلت وذهبت ريحها.
وهم الذين اختلفوا في الخلافة فتوزعوا بين حزب حاكم وحزب معارض وسبّب ذلك تخلّف الأمة وانقسامها إلى شيعة علي وشيعة معاوية، وهم الذين اختلفوا في تفسير كتاب الله وأحاديث رسوله فكانت المذاهب والفرق والملل والنحل، ونشأت من ذلك المدارس الكلامية والفكرية المختلفة وبرزت فلسفات متنوعة أملتها دوافع سياسية محضة تتصل بطموحات الهيمنة على السلطة والحكم...
فالمسلمون لم ينقسموا ولم يختلفوا في شيء لولا الصحابة وكل خلاف نشأ وينشأ إنما يعود إلى اختلافهم في الصحابة. فالربّ واحد والقرآن واحد والرسول واحد والقبلة واحدة وهم متّفقون على ذلك، وبدأ الخلاف والاختلاف في الصحابة من اليوم الأول بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) في سقيفة بني ساعدة، واستمرّ إلى يوم الناس هذا وسيستمرّ إلى أن يشاء الله. وقد استنتجت من خلال الحديث مع علماء الشيعة أنّ الصحابة في نظرهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
فالقسم الأول: وهم الصحابة الاخيار الذين عرفوا الله ورسوله حق المعرفة وبايعوه على الموت وصاحبوه بصدق في القول وباخلاص في العمل، ولم ينقلبوا بعده، بل ثبتوا على العهد وقد امتدحهم الله جلّ جلاله، في كتابه العزيز في العديد من المواقع، وقد أثنى عليهم رسول الله في العديد من المواقع أيضاً، والشيعة يذكرونهم باحترام وتقديس ويترضّون عليهم كما يذكرهم أهل السنّة باحترام وتقديس أيضاً.
والقسم الثاني: هم الصحابة الذين اعتنقوا الإسلام واتّبعوا رسول الله أمّا رغبة أو رهبة، وهؤلاء كانوا يمنّون اسلامهم على رسول الله، وكانوا يؤذونه في بعض الأوقات ولا يمتثلون لأوامره ونواهيه بل يجعلون لآرائهم مجالا في مقابل النصوص الصريحة حتى ينزل القرآن بتوبيخهم مرة وتهديدهم أخرى وقد فضحهم الله في العديد من الآيات وحذّرهم رسول الله أيضاً في العديد من الأحاديث النبويّة والشيعة لا يذكرونهم إلاّ بأفعالهم بدون احترام ولا تقديس.
أما القسم الثالث من الصحابة: فهم المنافقون الذين صحبوا رسول الله للكيد له وقد أظهروا الإسلام وانطوت سرائرهم على الكفر، وقد تقرّبوا ليكيدوا للإسلام والمسلمين عامّة وقد أنزل الله فيهم سورة كاملة وذكرهم في العديد من المواقع وتوعّدهم بالدرك الأسفل من النار، وقد ذكرهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) وحذّر منهم وعلّم بعضاً من أصحابه أسماءهم وعلاماتهم، وهؤلاء يتّفق الشيعة والسنّة على لعنهم والبراءة منهم.
وهناك قسم خاصّ وإنْ كانوا من الصّحابة فهم يتميّزون عليهم بالقرابة وبفضائل خلقية ونفسية وخصوصيات اختصّهم الله ورسوله بها لا يلحقهم فيها لاحق، وهؤلاء هم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجّس وطهّرهم تطهيراً(2)وأوجب الصلاة عليهم كما أوجبها على رسوله، وأوجب لهم سهم من الخمس(3)كما أوجب مودّتهم على كل مسلم كأجر للرّسالة المحمدية(4)، فهم أولوا الأمر الذين أمر بطاعتهم(5)وهم الراسخون في العلم الذين يعلمون تأويل القرآن ويعلمون المتشابه منه والمحكم(6)، وهم أهل الذكر الذين قرنهم رسول الله بالقرآن في حديث الثقلين وأوجب التمسّك بهما(7)، وجعلهم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق(8)، والصحابة يعرفون قدر أهل البيت ويعظّمونهم ويحترمونهم، والشيعة يقتدون بهم ويقدّمونهم على كل الصحابة [بل لا يقاس بهم أحد]، ولهم في ذلك أدلّة من النصوص الصريحة.
أما أهل السنّة والجماعة مع احترامهم لأهل البيت وتعظيمهم وتفضيلهم إلاّ أنهم لا يعترفون بهذا التقسيم للصحابة ولا يعدّون المنافقين في الصحابة، بل الصحابة في نظرهم خير الخلق بعد رسول الله. وإذا كان هناك تقسيم فهو من باب فضيلة السبق للإسلام والبلاء الحسن فيه، فيفضّلون الخلفاء الرّاشدون بالدرجة الاُولى ثم الستّة الباقين من العشرة المبشّرين بالجنة على ما يروونه. ولذلك تراهم عندما يصلّون على النبيّ وأهل بيته يلحقون بهم الصحابة أجميعن بدون استثناء".

اختلاف المذاهب الأربعة في الفقه:
يذكر التيجاني السماوي واقعة جرت له ومنها يتبين للجميع من أين تستمد المذاهب فقهها بعد تركهم لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) يقول:
"
في إحدى قرى الجنوب التونسي وخلال حفل زفاف كانت النساء يتحدّثن عن فلانة زوجة فلان، واستغربت العجوزة الكبيرة التي كانت تجلس وسطهن وتسمع حديثهنّ أن تكون فلانة قد تزوجت فلاناً ولمّا سألنها عن سبب استغرابها أخبرتهن بأنها أرضعت الإثنين فهما أخوان في الرضاعة، ونقل النّسوة هذا النبأ العظيم إلى أزواجهن وتثبّت الرجال فشهد والد المرأة بأن ابنته أرضعتها تلك العجوز المعروفة لدى الجميع بأنّها مرضعة كما شهد والد الزوج بأن ابنه أرضعته نفس المرضعة، وقامت قيامة العشيرتين وتقاتلوا بالعصي كلّ منهما تتهم الاخرى بأنها سبب الكارثة التي سوف تجرّهم إلى سخط الله وعقابه وخصوصاً وأنّ هذا الزواج مرّ عليه عشرة أعوام وأنجبت المرأة خلالها ثلاثة أطفال وقد هربت عند سماعها الخبر إلى بيت أبيها وامتنعت عن الأكل والشرب وأرادت الإنتحار لأنها لم تتحمّل الصدمة وكيف أنها تزوجت من أخيها وولدت منه وهي لا تعلم، وسقط عدد من الجرحى من العشيرتين وتدخّل أحد الشيوخ الكبار وأوقف المعارك ونصحهم بأن يطوفوا على العلماء ليستفتوهم في هذه القضية عسى أن يجدوا حلا.
فصاروا يتجوّلون في المدن الكبرى المجاورة يسألون علماءها عن حلّ لقضيتهم وكلّما اتّصلوا بعالم وأطلعوه على الأمر أخبرهم بحرمة الزواج وضرورة تفريق الزوجين إلى الأبد وتحرير رقبة أو صيام شهرين إلى غير ذلك من الفتاوى.
ووصلوا إلى قفصة وسألوا علماءها فكان الجواب نفس الشيء، لأنّ المالكية كلهم يحرّمون الرضاعة ولو من قطرة واحدة اقتداء بالإمام مالك الذي قاس الحليب على الخمر إذ أنّ (ما أسكر كثيره فقليله حرام)، فتحرم الرضاعة ولو من قطرة واحدة من الحليب، والذي وقع أن أحد الحاضرين اختلى بهم ودلّهم على بيتي قائلا لهم: اسألوا التيجاني في مثل هذه القضايا فإنه يعرف كل المذاهب وقد رأيته يجادل هؤلاء العلماء عدّة مرّات فيبزّهم بالحجّة البالغة.
هذا ما نقله إليّ زوج المرأة حرفيّاً عندما أدخلته إلى المكتبة وحكى لي كل القضيّة بالتفصيل من أوّلها إلى آخرها، وقال: "يا سيدي أنّ زوجتي تريد الإنتحار وأولادي مهملين ونحن لا نعرف حلاّ لهذه المشكلة وقد دلّونا عليك وقد استبشرت خيراً لمّا رأيت عندك هذه الكتب التي لم أشهد في حياتي مثلها فعسى أن يكون الحلّ عندك".
أحضرت له قهوة وفكّرت قليلا ثم سألته عن عدد الرضعات التي رضعها هو من المرأة فقال: لا أدري غير أنّ زوجتي رضعت منها مرّتين أو ثلاث وقد شهد أبوها بأنّه حملها مرّتين أو ثلاث مرات لتلك العجوز المرضعة، فقلت إذا كان هذا صحيحاً فليس عليكما شيء والزواج صحيح وحلال محلّل، وارتمى المسكين عليّ يقبّل رأسي ويديّ ويقول: بشّرك الله بالخير لقد فتحت أبواب السكينة أمامي، ونهض مسرعاً ولم يكمل قهوته ولا استفسر منّي ولا طلب الدّليل غير أنّه استأذن للخروج حتى يسرع فيبشر زوجته وأولاده وأهله وعشيرته.
لكنه رجع في اليوم التالي ومعه سبعة رجال وقدّمهم إليّ قائلا: هذا والدي وهذا والد زوجتي والثالث هو عمدة القرية والرابع إمام الجمعة والجماعة والخامس هو المرشد الدّيني والسادس شيخ العشيرة والسابع هو مدير المدرسة، وقد جاؤوا يستفسرون عن قضية الرضاعة وبماذا حلّلتها؟
وأدخلت الجميع إلى المكتبة وكنت أتوقّع جدالهم وأحضرت لهم القهوة ورحّبت بهم: قالوا إنّما جئناك نناقشك عن تحليلك الرّضاعة وقد حرّمها الله في القرآن، وحرّمها رسوله بقوله: يحرم بالرضاعة ما يحرم بالنّسب، وكذلك حرّمها الإمام مالك.
قلت: يا سادتي أنتم ما شاء الله ثمانية وأنا واحد فإذا تكلّمت مع الجميع فسوف لن أقنعكم وتضيع المناقشة في الهامشيات، وإنّما اقترح عليكم اختيار أحدكم حتّى اتناقش معه وأنتم تكونون حكماً بيني وبينه!
وأعجبتهم الفكرة واستحسنوها، وسلّموا أمرهم إلى المرشد الديني قائلين بأنّه أعلمهم وأقدرهم، وبدأ السيد يسألني كيف أحلّل ما حرّم الله ورسوله والأئمة؟!
قلت: أعوذ بالله أن أفعل ذلك! ولكنّ الله حرّم الرضاعة بآية مجملة ولم يبيّن تفصيل ذلك وإنما أوكل ذلك إلى رسوله فأوضح مقصود الآية بالكيف والكم.
قال: فإنّ الإمام مالك يحرّم الرضاعة من قطرة واحدة.
قلت: أعرف ذلك، ولكن الإمام مالك ليس حجّة على المسلمين وإلاّ فما هو قولك بالأئمة الآخرين؟
أجاب: رضي الله عنهم وأرضاهم فكلّهم من رسول الله ملتمس.
قلت: فما هو إذن حجتك عند الله في تقليدك الإمام مالك الذي يخالف رأيه نصّ الرسول(صلى الله عليه وآله)؟
قال محتاراً: سبحان الله أنا لا أعلم بأنّ الإمام مالك إمام دار الهجرة يخالف النصوص النبويّة، وتحيّر الحاضرون من هذا القول، واستغربوا منّي هذه الجرأة على الإمام مالك والتي لم يعهدوها من قبل في غيري واستدركت قائلا: هل كان الإمام مالك من الصحابة؟ قال: لا، قلت هل كان من التابعين؟ قال: لا، وإنّما هو من تابعي التابعين. قلت: فأيهما أقرب هو أم الإمام عليّ بن أبي طالب؟
قال: الإمام عليّ أقرب فهو من الخلفاء الراشدين، وتكلّم أحد الحاضرين قائلا: سيدنا عليّ كرّم الله وجهه هو باب مدينة العلم.
فقلت: فلماذا تركتم باب مدينة العلم واتبعتم رجلا ليس من الصحابة ولا من التابعين وإنما ولد بعد الفتنة وبعدما أبيحت مدينة رسول الله لجيش يزيد وفعلوا فيما ما فعلوا وقتلوا خيار الصحابة وانتهكوا فيها المحارم، وغيروا سنّة الرّسول ببدع ابتدعوها، فكيف يطمئنّ الإنسان بعد ذلك إلى هؤلاء الأئمّة الّذين رضيت عنهم السلطة الحاكمة لأنّهم أفتوها بما يلائم أهواءهم.
وتكلّم أحدهم وقال: سمعنا أنّك شيعي تعبد الإمام عليّاً فلكزه صاحبه الذي كان بجانبه لكزة أوجعته وقال له: أسكت أما تستحي أن تقول مثل هذا القول لرجل فاضل مثل هذا وقد عرفت العلماء وحتّى الآن لم ترعيني مكتبة مثل هذه المكتبة، وهذا الرجل يتكلّم عن معرفة ووثوق ممّا يقول!
أجبته قائلا: أنا شيعي هذا صحيح ولكنّ الشيعة لا يعبدون عليّاً وإنما عوض أن يقّلدوا الإمام مالك فهم يقلّدون الإمام عليّاً لأنّه باب مدينة العلم حسب شهادتكم، قال المرشد الديني: وهل حلّل الإمام عليّ زواج الرضيعين؟ قلت: لا ولكنّه يحرّم ذلك إذا بلغت الرضاعة خمس عشرة رضعة مشبعات ومتواليات، أو ما أنبت لحماً وعظماً. وتهلّل وجه والد الزوجة وقال: الحمد لله فابنتي لم ترضع إلاّ مرتين أو ثلاث مرّات فقط، وإنّ في قول الإمام عليّ هذا مخرجاً لنا من هذه الورطة ورحمة لنا من الله بعد أن يئسنا.
فقال المرشد: أعطنا الدليل على هذا القول حتّى نقتنع; فأعطيتهم كتاب منهاج الصالحين للسيد الخوئي، وقرأ هو بنفسه عليهم باب الرضاعة، وفرحوا بذلك فرحاً عظيماً وخصوصاً الزوج الذي كان خائفاً أن لا يكون لديّ الدليل المقنع، وطلبوا منّي إعارتهم الكتاب حتّى يحتجّوا به في قريتهم فسلّمته إليهم وخرجوا مودّعين داعين معتذرين.
وبمجرّد خروجهم من بيتي التقى بهم أحد المناوئين وحملهم إلى بعض علماء السّوء فخوّفوهم وحذّروهم بأنّي عميل لإسرائيل وأنّ كتاب منهاج الصالحين الذي أعطيتهم إيّاه كلّه ضلالة وأنّ أهل العراق هم أهل الكفر والنّفاق وأنّ الشيعة مجوس يبيحون نكاح الأخوات فلا غرابة إذن في إباحتي لهم نكاح الأخت من الرضاعة إلى غير ذلك من التّهم والأراجيف وما زال بهم يحذّرهم حتّى ارتدّوا على أعقابهم وأنقلبوا بعد اقتناعهم، وأجبروا الزوج أن يقوم بقضية عدلية في الطلاق لدى المحكمة الإبتدائية في قفصة وطلب منهم رئيس المحكمة أن يذهبوا للعاصمة ويتّصلوا بمفتي الجمهورية ليحلّ هذا الإشكال، وسافر الزوج وبقي هناك شهراً كاملا حتّى تمكن من مقابلته وقصّ عليه قصّته من أولها لآخرها وسأله مفتي الجمهورية عن العلماء الذين قالوا بحلّية الزواج وصحته وأجاب الزوج بأنه ليس هناك من قال بحلّيته غير شخص واحد هو التيجاني السماوي وسجّل المفتي اسمي وقال للزوج: ارجع أنت وسوف أبعث أنا برسالة إلى رئيس المحكمة في قفصة، وبالفعل جاءت الرسالة من مفتي الجمهورية واطّلع عليها وكيل الزوج وأعلمه بأن مفتي الجمهورية حرّم ذلك الزواج.
هذا ما قصّه عليّ زوج المرأة الذي بدا على الضعف والإرهاق من كثرة التعب وهو يعتذر إليّ لما سبّبه لي من إزعاج وحرج، فشكرته على عواطفه متعجّباً كيف يُبطل مفتي الجمهورية الزواج القائم في مثل هذه القضية، وطلبت منه أن يأتني برسالته التي بعثها إلى المحكمة حتى أنشرها في الصحف التونسية وأبيّن أن مفتي الجمهورية يجهل المذاهب الإسلامية ولا يعرف اختلافهم الفقهي في مسألة الرضاعة.
وقال الزوج بأنّه لا يمكنه أن يطّلع على ملفّ قضيّته فضلا عن أن يأتيني برسالة منه، وافترقنا.
وبعد بضعة أيام جاءتني دعوة من رئيس المحكمة وهو يأمرني بإحضار الكتاب والأدلّة على عدم بطلان ذلك الزواج بين (الرضيعين)!، وذهبت محمّلا بعدّة مصادر انتقيتها مسبّقاً ووضعت في كلّ منها بطاقة في باب الرضاعة ليسهل تخريجه في لحظة واحدة، وذهبت في اليوم والساعة المذكورة واستقبلني كاتب الرئيس وأدخلني إلى مكتب الرّئيس وفوجئت برئيس المحكمة الإبتدائية ورئيس محكمة الناحية ووكيل الجمهورية ومعهم ثلاثة أعضاء وكلهم يرتدون لباسهم الخاص للقضاء وكأنّهم في جلسة رسمية، ولاحظت أيضاً أن زوج المرأة يجلس في آخر القاعة قبالهم، وسلّمت على الجميع فكانوا كلّهم ينظرون إلي بإشمئزاز وإحتقار ولمّا جلست كلّمني الرئيس بلهجة خشنة قائلا:
ـ أنت هو التيجاني السماوي؟ قلت: نعم.
ـ قال: أنت الذي أفتيت بصحّة الزواج في هذه القضية؟
ـ قلت: لا لست أنا بمفت، ولكنّ الأئمة وعلماء المسلمين هم الذين أفتوا بحلّيته وصحّته!
ـ قال: ومن أجل ذلك دعوناك، وأنت الآن في قفص الإتّهام، فإذا لم تثبت دعواك بالدّليل فسوف نحكم بسجنك وسوف لن تخرج من هنا إلاّ إلى السجن.
وعرفت وقتها أنّني بالفعل في قفص الإتّهام، لا لأنني أفتيت في هذه القضية، ولكن لأنّ بعض علماء السّوء حدّث هؤلاء الحكام بأنّني صاحب فتنة وأنّني أسبّ الصحابة وأبثّ التشيّع لآل البيت النبوي، وقد قال له رئيس المحكمة إذا أتيتني بشاهدين ضدّه فسوف ألقيه في السجن.
أضف إلى ذلك فأنّ جماعة الإخوان المسلمين استغلّوا هذه الفتوى وروّجوا لدى الخاص والعام بأنّني أبيح نكاح الأخوات وهو قول الشيعة على زعمهم!
كل ذلك عرفته من قبل وتيقنته عندما هدّدني رئيس المحكمة بالسجن فلم يبق أمامي إلاّ التحدّي والدفاع عن نفسي بكل شجاعة فقلت للرئيس: هل لي أنت أتكلّم بصراحة وبدون خوف.
قال: نعم تكلّم فأنت ليس لك محام...
قلت: قبل كل شيء أنا لم أنصّب نفسي للإفتاء، ولكن ها هو زوج المرأة أمامكم فاسألوه، فهو الذي جاءني إلى بيتي يطرق بابي ويسألني، فكان واجباً عليَّ أن أجيبه بما أعلم وقد سألته بدوري عن عدد الرضعات ولمّا أعلمني بأنّ زوجته لم ترضع غير مرّتين أعطيته وقتها حكم الإسلام فيها، فلست أنا من المجتهدين ولا من المشرّعين.
قال الرئيس: عجباً، أنت الآن تدّعي أنك تعرف الإسلام ونحن جهله!
قلت: أستغفر الله أنا لم أقصد هذا، ولكن كل الناس هنا يعرفون مذهب الإمام مالك ويتوقّفون عنده، وأنا فتّشت في كلّ المذاهب ووجدت حلاّ لهذه القضية.
قال الرئيس: أين وجدت الحل؟
قلت: قبل كل شيء هل لي أن أسألكم سؤالا يا سيدي الرئيس؟
قال: اسأل كل ما تريد.
ـ قلت: ما قولكم في المذاهب الإسلامية؟
قال: كلّها صحيحة، فكلّهم من رسول الله ملتمس، وفي اختلافهم رحمة.
قلت: فارحموا إذن هذا المسكين "مشيراً إلى زوج المرأة" الذي قضى الآن أكثر من شهرين وهو مفارق لزوجه وولده بينما هناك من المذاهب الإسلامية من حلّ مشكلته.
فقال الرئيس مغضباً: هات الدّليل وكفاك تهريجاً، نحن سمحنا لك بالدفاع عن نفسك فأصبحت محامياً لغيرك.
فأخرجت له من حقيبتي كتاب منهاج الصالحين للسيد الخوئي وقلت: هذا مذهب أهل البيت وفيه الدّليل وقاطعني قائلا: دعنا من مذهب أهل البيت فنحن لا نعرفه ولا نؤمن به.
كنت متوقّعاً هذا ولذلك أحضرت معي بعد البحث والتنقيب عدّة مصادر لأهل السنّة والجماعة وكنت رتّبتها حسب علمي فوضعت البخاري في المرتبة الأولى ثم صحيح مسلم وبعده كتاب الفتاوى لمحمود شلتوت وكتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد، وكتاب زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي وعدّة مصادر أخرى من كتب (أهل السنّة).
ولمّا رفض الرئيس أن ينظر في كتاب السيد الخوئي سألته عن الكتب التي يثق بها.
قال: البخاري ومسلم.
وأخرجت صحيح البخاري وفتحته على الصفحة المعينة وقلت: تفضلّ يا سيدي اقرأ.
ـ قال: اقرأ أنت؟
وقرأت: حدّثنا فلان عن فلان عن عائشة أم المؤمنين قالت توفيّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)ولم يحرّم من الرضعات إلاّ خمسة فما فوق.
وأخذ الرئيس مني الكتاب وقرأ بنفسه وأعطاه إلى وكيل الجمهورية بجانبه وقرأ هو الآخر وناوله لمن بعده في حين أخرجت صحيح مسلم وأطلعته على نفس الأحاديث ثم فتحت كتاب الفتاوى لشيخ الأزهر شلتوت وقد ذكر هو الآخر اختلافات الأئمة في مسألة الرضاعة فمنهم من ذهب إلى القول بأن المحرّم ما بلغ خمس عشرة رضعة ومنهم من قال بسبعة ومنهم من حرّم فوق الخمسة عدا مالك الذي خالف النصّ وحرّم قطرة واحدة ثم قال شلتوت: وأنا أميل إلى أوسط الآراء فأقول سبعة فما فوق، وبعد ما اطلع رئيس المحكمة على كل ذلك قال: يكفي ثم التفت إلى زوج المرأة وقال له: اذهب الآن وأتني بوالد زوجتك ليشهد أمامي بأنها رضعت مرتين أو ثلاثة وسوف تأخذ زوجتك معك هذا اليوم...
وطار المسكين فرحاً، واعتذر وكيل الجمهورية وبقية الأعضاء الحاضرين للإلتحاق بأعمالهم وأذن لهم الرئيس، ولمّا خلا بنا المجلس التفت إليّ معتذراً، وقال: سامحني يا أستاذ لقد غلّطوني فيك وقالوا فيك أشياءً غريبة وأنا الآن عرفت بأنهم حاسدون ومغرضون يريدون بك شراً.
وطار قلبي فرحاً بهذا التحوّل السّريع وقلت: الحمد لله الذي جعل نصري على يديك يا سيدي الرئيس.
فقال: سمعت بأنّ عندك مكتبة عظيمة فهل يوجد فيها كتاب حياة الحيوان الكبرى للدميري؟
قلت: نعم، قال: هل تعيرني إيّاه، فقد مضى عامان وأنا أبحث عنه: قلت: هو لك يا سيدي متى أردت.
قال: هل عندك وقت يسمح لك بالمجيء إلى مكتبتي لنتحدث وأستفيد منك.
قلت: أستغفر الله فأنا الذي أستفيد منك، فأنت أكبر مني سنّاً وقدراً، وعندي أربعة أيام راحة في الأسبوع وأنا رهن إشارتك.
واتفقنا على يوم السبت من كل أسبوع لأنّه ليس له جلسات للمحكمة في ذلك اليوم. وبعدما طلب منّي أن أترك له كتاب البخاري ومسلم وكتاب الفتاوى لمحمود شلتوت لكي يحرّر منهم النصّ قام بنفسه وأخرجني من مكتبه مودّعاً.
وخرجت فرحاً أحمد الله سبحانه على هذا النّصر وقد دخلت خائفاً مهدّداً بالسجن وخرجت وقد انقلب رئيس المحكمة إلى صديق حميم يحترمني ويطلب منّي مجالسته ليستفيد مني. إنها بركات طريق أهل البيت الذين لا يخيب من تمسّك بهم ويأمن من لجأ إليهم.
وتحدث زوج المرأة في قريته وشاع الخبر في كلّ القرى المجاورة بعدما رجعت المرأة إلى بيت زوجها وانتهت القضية بحلّية الزواج، فأصبح الناس يقولون بأنّي أعلم من الجميع وأعلم حتى من مفتي الجمهورية.
وقد جاء زوج المرأة إلى البيت ومعه سيارة كبيرة ودعاني إلى القرية أنا وكل عائلتي وأعلمني بأنّ كل الأهالي ينتظرون قدومي وسيذبحون ثلاثة عجول لإقامة الفرح واعتذرت إليه بسبب انشغالي في قفصة وقلت له: سوف أزوركم مرّة أخرى إن شاء الله.
وتحدّث رئيس المحكمة إلى أصدقائه واشتهرت القضية ورد الله كيد الكائدين وجاء بعضهم معتذرين وقد فتح الله بصيرة البعض منهم فاستبصروا وأصبحوا من المخلصين، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيدنا محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

(1) فصلت: 17.
(2) 
الأحزاب: 33.
(3) 
الأنفال: 41.
(4) 
الشورى: 23.
(5) 
النساء: 59.
(6) 
آل عمران: 7.
(7) 
حديث الثقلين; ومن مصادره، كنز العمال: 1 / 44، مسند أحمد: 5 / 182.
(8) 
حديث السفينة; المستدرك للحاكم: 3 / 151، تلخيص الذهبي، الصواعق المحرقة لابن حجر: 184 و234