المهدي عليه السلام ، بين حروب التأويل و حروب التنزيل


نبارك لكم الميلاد السعيد لإمامنا المهدي عليه صلوات الرحمن، كما نبارك للدولة الموطئة الإنجاز العلمي الكبير الذي حققته بهده المناسبة، و هو إرسال قمر صناعي إلى الفضاء الخارجي، قادر على حمل الأقمار الصناعية.

ثلاثة مواليد كبرى في هذا العالم، كان و لا يزال لها صدى كبير:

أولها: ميلاد الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم.

ثانيها: ميلاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

ثالثها: ميلاد محمد بن الحسن، الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.

هذه المواليد كبيرة من حيث كبر شخصياتها، و كبيرة من حيث كبر المسؤوليات المنوطة بها.

فالرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم ولد في عام كبير، هو عام الفيل. هو كبير من حيث أنه إمام المرسلين وخاتم النبيين، بعثه الله تعالى على حين فترة من الرسل، ليدعو الناس- كل الناس- إلى دين الله تعالى، بالحكمة و الموعظة الحسنة، فكان خير داع إلى خير دين. و حيث منعته قريش من ذلك، هاجر بدينه إلى حيث يمكنه أن يدعو إليه. لكنها فتحت عليه وعليها أبواب الحرب و القتال، فجاهدها خير جهاد، حيث لم يجبن، و لم يولها دبره. و لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا و قد بلغ الرسالة، و نصح الأمة، و تركها على المحجة البيضاء.

أما الإمام علي عليه صلوات الرحمن: فقد ولد – كما يعلم الجميع- في جوف الكعبة المشرفة، حيث تشرفت به. و لعل من دلائل هذا ما قاله رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في حقه: علي مع الحق، و الحق مع علي، يدور الحق معه حيث دار. و لئن كانت الكعبة المشرفة هي محور عمل المصلي و الحاج، فكذلك علي عليه السلام هو محور حركة المسلم. فهو صاحب الولاية، و هو مقياس الإيمان و النفاق، و هو قسيم الجنة و النار. إلى ذلك أيضا هاجر من مكة إلى المدينة، و منها إلى الكوفة، حيث أصبحت عاصمة دولته، و حيث ستكون عاصمة دولة الإمام المهدي عليه السلام.

و ثالث هذه المواليد الشريفة، مولد صاحب الأمر و الزمان، محمد بن الحسن العسكري، الإمام المهدي، عجل الله تعالى فرجه الشريف. هو كذلك هاجر لكن في الزمان، حيث فُرض عليه التخفي عن أعين الظلمة و أعوانهم، مرة فيما يعرف في أدبياتنا بالغيبة الصغرى، و مرة أخرى بالغيبة الكبرى، و التي لا زالت مستمرة إلى اليوم، لكن بشائر الظهور الشريف بدأت تلوح في الأفق.

و الذي يعنيني في هذه الكلمة الوجيزة أن أشير إلى العلاقة بين هذه المواليد الثلاثة، علنا نستشف منها بعض ما يجعلنا نفهم حقيقة الحركة المهدوية، و أبعاد المشروع المهدوي الكوني.

أولا: الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم حارب من أجل التنزيل. في كل معاركه، بدءا من بدر و انتهاء بحنين، مرورا بأحد و الأحزاب و خيبر وغيرها:كان يحارب قوما مشركين، كفارا، لا يؤمنون بـ "لا إله إلا الله، محمد رسول الله".كان العدو من خارج الجماعة المؤمنة، لذلك كانت الحرب معه تحظى بإجماع المؤمنين. و كم عانى في سبيل تقرير هذه الحقيقة في قلوب الناس.

ثانيا: الإمام علي عليه صلوات الرحمن: حارب على التنزيل أيام رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، لذلك كرهتـه قريش، و حارب كذلك على التأويل عندما جاءته " الخلافة المغتصبة " راغمة بعد مقتل الخليفة الثالث. و هو مصداق ما

قاله له رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ذات مرة: يا علي أنا أقاتل على التنزيل و أنت تقاتل على التأويل. وكم كانت حروب علي عليه السلام على التأويل ثقيلة باهظة التكاليف. العدو فيها لم يكن مثل أبي جهل و أبي لهب و أمية بن خلف، و لم يكن مثل مرحب بن أبي مرحب، بل كان عدوا من داخل الجماعة المؤمنة، كان يصلي، و يصوم، و يزكي، ويحج، و يحسب أنه على شيء.

أيام معركة البصرة ( الجمل ): وقف المسلمون في صفين: أحدهما يقوده الإمام علي عليه السلام، و الثاني تقوده أم المؤمنين عائشة بمعية اثنين من " كبار الصحابة، و من المبشرين بالجنة". وقف المسلم حينها ليسأل نفسه: أ أقف إلى جانب أمير المؤمنين ضد أم المؤمنين، أم أقف إلى جانب أم المؤمنين ضد أمير المؤمنين؟. فتنة رهيبة حقا، لا ينجو منها إلا من رحمه الله، وفتح قلبه للولي والوصي.

و في معركة صفين: التقى أمير المؤمنين بجيش كان يصلي في الجهة المقابلة للوادي الذي كان يفصل بين الجيشين. و قد حدث أن رفع هذا الجيش الباغي المصاحف على السيوف، و هو ما لم تفعله لا قريش، و لا اليهود في حروب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم.

و في معركة النهروان: كان الإمام علي عليه السلام يحارب أناسا: يحقر أحدنا عبادته أمام عبادتهم، وفق منطوق الحديث النبوي الشريف، أو رهبان بالليل فرسان بالنهار حسب التوصيف التاريخي.

و باختصار: حارب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أناسا كانوا يقولون يوم أحد: أعل هبل، و يوم الأحزاب: هل فيكم من يريد أن أرسله إلى الجنة؟ بينما حارب الإمام علي عليه السلام أناسا كانوا يقولون أنهم مسلمون، و أنهم أولى بالإسلام أو بالخلافة منه.

ثالثا: الإمام المهدي عليه السلام:و هو سيذكرنا في مشروعه التغييري الكوني و حركته النهضوية العالمية بحروب التنزيل وحروب التأويل معا.

و لنبدأ بحروب التأويل: قلنا سابقا أن حروب التأويل هي الحروب التي خاضها الإمام علي عليه السلام ضد الخارجين عليه من أصحاب الفهم الخاطىء و المنحرف للدين، و أصحاب الأطماع الدنيوية. و سيخوض الإمام المهدي عليه السلام حروبا من هذا النوع. و ستتركز ضد عثمان السفياني الذي ينتهي نسبه غير الشريف إلى أبي سفيان قائد الأحزاب، في صورة امتدادية للحرب بين الشجرة الخبيثة و الشجرة الطيبة.

أما حروب التنزيل: قلنا أن حروب التنزيل هي الحروب التي خاضها الرسول الأعظم -صلى الله عليه و آله و سلم- ضد الكفار و المشركين. و هي نفس الحروب التي سيخوضها صاحب الأمر و الزمان- أرواحنا و أرواح العالمين له الفداء- ضد الاستكبار العالمي، الذي ملأ الأرض ظلما و بغيا، بانحرافاته العقيدية و سلوكياته المنحرفة. و هذه الحروب تأتي لاحقا على حروبه من أجل التأويل.

إن ثورة الإمام المهدي عليه السلام هي ثورة عالمية، تستهدف الإطاحة بأئمة الكفر و أشياع الضلالة، لذلك من الطبيعي جدا أن تحاربها عواصم الكفر العالمي.

و لكي أوضح باختصار حركة الإمام عليه السلام في هذا التحرك المزدوج ( حروب التأويل و حروب التنزيل) أقترح عليكم هذه اللوحة الكرونولوجية المختصرة، و هي مستفادة من كتاب عصر الظهور، للشيخ علي الكوراني:

يبدأ الإمام المهدي عليه السلام حركته من مكة المكرمة، في ليلة 10 محرم، فيلقي أول بيان رسمي له، و في صبيحة الـ10 منه يلقي بيانه إلى شعوب العالم قاطبة.

بعد معجزة الخسف ببيداء المدينة المنورة ضد جيش السفياني يتوجه إلى المدينة المنورة ليحررها، و بتحريرها يتحرر الحجاز، ثم يتوجه إلى جنوب إيران، حيث الرايات السود، فيبايعونه ويعطونه الراية، ثم يدخل العراق، فيتغلب على السفياني والخوارج.( و هي من حروب التأويل). و يتخذ الكوفة عاصمة له.

ثم يتغلب على الروس، في المثلث التركي السوري العراقي،

ثم يتغلب ثانية على السفياني المدعوم من طرف اليهود، في حرب طاحنة مدمرة، يكون ميدانها: من عكا إلى أنطاكية، و من دمشق إلى طبرية إلى القدس، و ها هنا ينادي الحجر و المدر: يا مسلم، يا عبد الله تعال ورائي يهودي فاقتله. و يتفاجأ الغرب بهزيمة اليهود، و يعلن الحرب على المهدي عليه السلام، لكنه يتفاجأ بنزول سيدنا عيسى بن مريم، على نبينا و آله و عليه السلام. يقوم سيدنا عيسى بتوعية المسيحيين، لكن الغرب يخرق الهدنة التي كان قد وقعها مع الإمام المهدي عليه السلام بعد نزول عيسى، فيباغت المهدي عليه السلام بجيش يتكون من 80 راية( فرقة مدرعة، أم جيش)، كل راية فيها 18 ألف رجل، و يقف السيد المسيح إلى جانب مولانا الإمام المهدي عليه السلام، و يصلي خلفه. و ميدان هذه المعركة هو نفسه ميدان المعركة السابقة. و بعدها يصبح الغربُ بدون قوة عسكرية، فتقوم شعوبه بثورات شعبية تأتي بحكومات موالية لصاحب الزمان. (1)

و بعدها يموت سيدنا عيسى و يصلي عليه سيدنا المهدي علنا أمام مرأى و مسمع الجميع، لينفي عنه صفة الألوهية التي ألصقها به الغالون من النصارى.

و هكذا يمكن أن نقول أن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف يذكرنا بمشروعه التغييري العالمي بحركة جده الأكبر: محمد صلى الله عليه و آله و سلم، و كذا بحركة جده الأصغر: علي عليه صلوات الرحمن.

رابعا: الجمهورية الإسلامية: حروب التأويل و حروب التنزيل: أو علاقة الجمهورية الإسلامية بالنظرية المهدوية:

1/ الحضور المهدوي الشريف في الجمهورية الإسلامية: ينبغي أن نلاحظ أولا أن الإمام المهدي عليه السلام يحظى في الجمهورية الإسلامية بحضور كثيف جدا لا يضاهيه حتى أكبر مسؤول في الدولة. وكثيرة جدا هي الأسماء التي تطلق على المواليد و الحسينيات و الشوارع والمحلات والمؤسسات الرسمية و غير الرسمية.(2).

2/ هذا و قد ورد في الروايات الشريفة عبارات كثيرة تفيد ما عليه الآن الجمهورية الإسلامية. و لعل أكثر هذه العبارات تكرارا عبارات مثل: قوم سلمان، الرايات السود، الخراساني، و تجمع ذلك كله كلمة "الموطئون"، و سنشير إلى بعضها الآن:

الموطئون: أ/ قوم سلمان: قال تعالى: " و إن تتولوا يستبدل قوما غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم". ( سورة محمد المباركة/ الآية 38) و قد نقل في تفسيرها أن الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم أشار إلى سلمان (الفارسي) المحمدي قائلا: "هذا و قومه، لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجال من فارس". (3). و مع أن ابن تيمية الحراني معروف بنصبه و تعنته، إلا أنه اعترف في منهاجه بصحة هذا الحديث..

و نفس المعنى ورد كذلك في تفسير قوله تعالى: " و آخرين منهم لما يلحقوا بهم، و هو العزيز الحكيم". (من سورة الجمعة المباركة/ الآية:3). (4)

هذا، و الأحاديث في ذلك كثيرة جدا، ربما قد تبلغ حد التواتر المعنوي، في كتب الفريقين.

ب/ الرايات السود و الخراساني: " تخرج من المشرق رايات سود لبني العباس فتمكث ما شاء الله، ثم تخرج رايات سود صغار تقاتل رجلا من ولد أبي سفيان و أصحابه، من قبل المشرق، يؤدون الطاعة للمهدي". ( م/س: ص 228). و رواية:" تخرج من خراسان رايات سود فلا يردها شيء حتى تنصب بإيلياء".(م/س: ص227). وهي مدينة القدس.

ج/ قم: عن الإمام الصادق عليه صلوات الرحمن قال لعفان البصري: أتدري لم سمي قم؟قلت: الله و رسوله أعلم. قال: إنما سمي قم لأن أهله يجتمعون مع قائم آل محمد صلوات الله عليه و يقومون معه، و يستقيمون عليه و ينصرونه".(5).

و مع كل هذا أود أن أشير إلى أن مسألة ولاية الفقيه يمكن استفادتها من مثل هذه الروايات الشريفة، لأنها ( الروايات) تشير إلى أن الكيان السياسي السابق للإمام المهدي عليه السلام و الذي يوطىء له هو كيان شرعي، و أن وطاعته واجبة، كما لاحظ ذلك بحق الشيخ علي الكوراني في كتابه المزبور. و هو نفس ما سنراه في آخر هذه الكلمة.

3/ السيد الإمام قدس سره الشريف و وصيته الإلهية: دولة المهدي. ثم إن سماحة السيد الإمام الراحل - أعلى الله تعالى مقامه الشريف – قد اعتبر في وصيته السياسية الإلهية إيران " دولة حضرة بقية الله"(6)، و أكد أكثر من مرة أننا نعيش في ظل فيوضاته وبركاته.

4/ حروب التأويل و حروب التنزيل: كانت الحرب المفروضة على الجمهورية الإسلامية من طرف النظام البعثي غير المأسوف عليه مصداقا كبيرا لحروب التأويل التي خاضتها الجمهورية الإسلامية طيلة 8 سنوات. فُرضت عليها هذه الحرب من قبل نظام كان يدعي الإسلام، مدعوما بأنظمة البترودولار الراكنة للذين ظلموا. و بالترتيب الكرونولوجي التالي يظهر لنا حقيقة الجرم المرتكب في حق الجمهورية الإسلامية: بعد انتصارها في فيفري 1979بـ10أشهر يتم التأسيس لخلق " جهاد سني" في أفغانستان ( ديسمبر/ كانون الأول 1979) للتشويش على الثورة الإسلامية الوليدة. و بعد ذلك بـ 10 أشهر أخرى ( سبتمبر/ أيلول 1980) يعلن النظام العفلقي المجرم في بغداد عن حربه الضروس ضد الجمهورية الإسلامية من أجل "حماية البوابة الشرقية".كل ذلك ليقال لنا: ها إن ثمة جهادا سنيا في بلاد الأفغان. ثم لِيُزَوَّرَ وعينُا بعد ذلك. و في عملية تأكيد لهذا التزوير يقوم النظام البعثي بتنظيم "مؤتمر إسلامي" في بغداد عام 1985 يُدعى إليه مجموعة من عملاء البلاط - من هنا و هناك - ممن يحسنون الأكل على موائد معاوية. و كان من الذين حضروا: المفكر الإخواني السوري المشهور سعيد حوى. كان سعيد حوى حينها في البقاع المقدسة لتأدية مناسك الحج، و يقول في كتابه الموسوم بـ: " هذه تجربتي، وهذه شهادتي"(7)، أنه تلقى دعوة للحضور من قبل وزارة الشؤون الدينية العراقية، وأنه ألقى كلمة بالمناسبة هذا ملخصها: ينبغي وقف الحرب العراقية الإيرانية. و إذا امتنعت إيران ( لاحظ جيدا و اضغط معي على الكلمة: امتنعت إيران، لا العراق) فإنه يصار إلى تأسيس جيش إسلامي تعداده مليون جندي من مختلف دول العالم الإسلامي لإجبار إيران على وقف الحرب. "كبرت كلمة تخرج من أفواههم، إن يقولون إلا كذبا ". فلم لا يؤسس هذا الجيش لتحرير فلسطين؟.

أما عن حروب التنزيل التي ستخوضها الجمهورية الإسلامية، فهي إلى الآن لم تندلع، لكن المواقف بشأنها ليست ببعيدة. ويمكن أن نقرأ هذا مثلا – و في صورة واضحة جدا – في مسألة الملف النووي الإيراني. و قد سبق و أن نشرتُ مقالا حول الملف النووي الإيراني عنونته بـ: " نحن و الغرب، أو من الإسلاموفوبيا إلى الإيرانوفوبيا": قلت فيه أن جلوس الوفد الإيراني المفاوض في طاولة مقابلة للوفد " الاستكباري" الغربي الموحد( 5+1) يُذكرنا بحديث رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يوم الخندق في القصة المعروفة للجميع: برز الإيمان كله إلى الكفر كله. فهذا من حروب التنزيل – على مستوى المفاوضات التي هي استمرار للحرب بطرق أخرى.

و من جهة أخرى يمكن النظر كذلك إلى الروايات الشريفة المتعلقة بالرايات السود و الخراساني. و قد تقدم ذكر بعضها قبل قليل. و فيها أن الرايات السود و الخراساني – بعد أن تهيء الجبهة الداخلية للدولة المهدوية المباركة- ستتوجه نحو الخارج في صورة تطهير الأرض من أرجاس الاستكبار العالمي، الفاسد و المفسد في الأرض.

و في الأخير أشير إلى أن أحد الباحثين ( السيد عبد الله الغريفي) أعطى للانتظار 4 معان، هي:

1/ تهيئة كوادر مؤهلة كافية لحركة الإمام المنتظر.

2/ تهيئة أرضية و قاعدة صالحة تدعم حركة الإمام المنتظر.

3/ تهيئة الأجواء الفكرية و النفسية لاستقبال الإمام المنتظر.

4/ تعميق و ترسيخ مبدأ الرفض لكل الكيانات المناقضة للإسلام و لكل الوجودات المنحرفة.

و الذي نراه أن هذه المهمات مجتمعة لا يمكن أن يحققها الرجل و الرجلان، و لا الحزب و الحزبان. صحيح أن المعنى الرابع و الأخير يمكن أن يحققه المسلم و لو بصورة شخصية، خاصة عند الموالي الذي يقرأ جيدا مقبولة عمر بن حنظلة في منع التحاكم إلى أئمة الجور و الطاغوت.. لكن المعاني الثلاثة الأولى يستحيل على الفرد الواحد أو الجماعة الواحدة تحقيقها ما لم تكن منخرطة في شكل دولة، تكون أولا مؤمنة بالمشروع النهضوي للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، و تكون ثانيا مقتدرة بتفوقها العلمي و التكنولوجي، و الاقتصادي. و هذا ما تعمل على تحقيقه الآن الجمهورية الإسلامية. و لعل إصرارها على تنفيذ و إنجاز برنامجها النووي رغم كل الأعاصير و التهديدات من الاستكبار العالمي أولى معالم هذه المعاني الثلاثة الأولى السابقة. و إذا أخذنا بعين الاعتبار إرسالها صاروخا قادرا على حمل الأقمار الصناعية اكتملت صورة التوطئة لصاحب العصر و الزمان عليه صلوات الرحمن. و هذا في اعتقادي باب جديد ينبغي توظيفه لإثبات نظرية ولاية الفقيه بعيدا عن الطروحات السابقة.

الأستاذ د محمد 

(1) عصر الظهور: الشيخ علي الكوراني، مؤسسة الشهيد، ط/2، 1413هج، ص19-31، باختصار و تصرف.

(2) م/س: ص 15.

(3) م/س: ص197.

(4) م/س: ص197.

(5) م/س:ص213.

(6) النداء الأخير: الوصية الإلهية السياسية لقائد الثورة الإسلامية، مؤسسة تنظيم و نشر تراث الإمام الخميني(س)، الشؤون الدولية، ص/7.

(7) راجع في ذلك الطبعة الجزائرية للكتاب، من نشر مطبعة عمار قرفي، باتنة، الجزائر.