نظرةٌ تاريخية في تأخير دفنِ الرَّسولِ الأَعظَم (ص)

أشار العديد من العلماء والمؤرخين والمحققين إلى قضيةِ قيام الصحابة بتأخير دفن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حتَّى انتهوا من قضية الخلافة في سقيفة بني ساعدة، ومن هؤلاء :

1 || الإمام أبو زكريا النووي (ت : 676 هـ)(1):

(وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة).

2 || العلامة سعد الدين التفتازاني (ت : 793 هـ)(2):

(وَهُوَ الْعُمْدَة إِجْمَاع الصَّحَابَة حَتَّى جعلُوا ذَلِك أهم الْوَاجِبَات وَاشْتَغلُوا بِهِ عَن دفن الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَذَا عقيب موت كل إِمَام رُوِيَ أَنه لما توفّي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خطب أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ أَيهَا النَّاس من كَانَ يعبد مُحَمَّدًا فَإِن مُحَمَّدًا قد مَاتَ وَمن كَانَ يعبد رب مُحَمَّد فَإِنَّهُ حَيّ لَا يَمُوت لَا بُد لهَذَا الْأَمر مِمَّن يقوم بِهِ فانظروا وهاتوا آراءكم رحمكم الله فتبادروا من جَانب وَقَالُوا صدقت وَلَكِن نَنْظُر فِي هَذَا الأمر وَلم يقل أحد أَنه لا حَاجَة إِلَى الإِمَام ).

3 || الشيخ محمد رشيد رضا (ت : 1354 هــ)(3):

(ومع هذا قال عمر: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرها. أي إن الشورى في انتخابه لم تكن تامة، وإنما كان هو الذي عجل بالبيعة خوفاً من عاقبة طول أمد الخلاف مع إجماعهم على عدم دفن النبي صلى الله عليه وسلم قبل نصب الخليفة له ).

4 || الشيخ حسن فرحان المالكي(4):

(وكانت البيعة العامة لأبي بكر قد تمت قبل دفن النبي صلى الله عليه وعلى آله).

5 || الشيخ صالح الفوزان(5):

(ولما توفي الرسول بادر الصحابة بتنصيب إمام لهم قبل أن يتجهوا إلى تجهيز الرسول ودفنه لعلمهم بضرورة هذا الأمر وأنه لا يصلح وقت ولو يسير بدون وجود الإمام للمسلمين، فاجتمعت كلمتهم على أفضل صحابة رسول الله وهو أبو بكر الصديق فبايعوه خليفة لهم، وعند ذلك اتجهوا إلى تجهيز الرسول والصلاة عليه ودفنه).

6 || الشيخ محمد حسين هيكل(6):

(وكان دفنه ليلة الأربعاء الرابع عشر من شهر ربيع الأول، أي بعد يومين من اختياره الرفيق الأعلى).

مضافاً إلى أنّ المنازعين في أمر الخلافة والسلطة قالوا بأن الشيخين لم يحضرا الدفنَ، حتى عروة بن الزبير وهو المقرّبين من حزب قريش قال(7):(إن أبا بكر وعمر لم يشهدا دفن النبي، كانا في الأنصار فدُفن قبل أن يرجعا).

ومن طرق الإمامية يروي الشيخ المفيد بإسناده عن عروة بن الزبير(8):(لما بايع الناس أبا بكر خرجت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم فوقفت على بابها وقالت : ما رأيت كاليوم قط، حضروا أسوأ محضر تركوا نبيهم صلى الله عليه وآله جنازة بين أظهرنا واستبدوا بالأمر دوننا ).

وهنا يمكن للمتأمل المنصف أن يقول :

إذا كانت الحاجة إلى تنصيب الإمام على الأمة بهذه المكانة من الأهمية بحيث لا تحتمل التأخير لعدَّة أيام ريثما ينتهي تغسيل النبيّ (ص) والصلاة عليه وإنهاء عزائه، فكيف يتجاهلها الله عزوجل وكذلك النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الذي قيل فيه على لسان المشركين حينما كانوا يخاطبون أصحابه: (إني لأرى صاحبكم يعلمكم حتى الخراءة )(9)، فهل يهتم النبي (ص) بدقائق الأمور ويترك أعظمها والتي هم أهم من دفن النبي (ص) ولا يمكن تأخيرها ولو ليومٍ واحد فقط؟!!

إبراهيم جواد

-------------

(1) شرح النووي على مسلم، ج12، ص 87، ط2، الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت.

(2) شرح المقاصد ج5، ص 236 ، نشر دار عالم الكتب، تحقيق عبد الرحمن عميرة.

(3) تفسير المنار، ج2، ص 391، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب .

(4) قراءة في كتب العقائد، ص 43، طبعة مركز الدراسات التاريخية، ط3 .

(5) الإعلام بكيفية تنصيب الإمام في الإسلام، ص 4.

(6) حياة محمد، ص 514، ط 14 ، الناشر : دار المعارف.

(7) مصنف ابن أبي شيبة، ج7، ص 432، رقم الحديث 37046، ط1، الناشر: مكتبة الرشد – الرياض، تحقيق المحقق: كمال يوسف الحوت.

(8) الأمالي، المجلس الحادي عشر.

(9) مسند أحمد، ج 39، ص 107، رقم الحديث 23703 ، ط مؤسسة دار الرسالة.